يد تمسك هاتفاً محمولاً يظهر على شاشته رمز تطبيق تيك توك

حثّت منصة تيك توك (TikTok) محكمةَ الاستئناف الأمريكية في مقاطعة كولومبيا على إلغاء قانونٍ يستهدف حظر تطبيق الفيديوهات القصيرة في حال رفضت شركة بايت دانس (ByteDance) التخلي عن فرعها الأمريكي من التطبيق؛ وناقش ممثلو منصة تيك توك مسألة انتهاك القانون التعديلَ الدستوريّ الأول الذي يضمن الحق بحريّة التعبير.

وترتكز الدعوى القضائية في مضمونها على قانون حماية الأمريكيين من التطبيقات الخاضعة لسيطرة الجهات الأجنبية المعادية الذي أقرّه الرئيس جو بايدن في نيسان/أبريل الفائت (على الرغم من أنه شخصياً يستخدم تيك توك)؛ ويدعو القانون إلى حظر تيك توك في حال رفضت شركة بايت دانس بيع حصّتها منه. ويبقى السؤال هنا: هل سيصمد مشروع القانون في وجه جهود تيك توك الرامية لإسقاطه في المحاكم؟ دعونا نرى ما يقوله الخبراء.

تيك توك تعوّل على التعديل الأول في الدستور الأمريكي لدرء الحظر المُقترح

قالت منصة تيك توك في ملفّها المقدَّم أمام المحكمة: “هذا القانون غير مسبوق، إذ لم يسبق للكونجرس من قبل أن استهدف صراحةً إغلاقَ منتدى خطابٍ بعينه، ولم يسبق له من قبل أن أسكتَ هذا العدد الهائل من الأصوات عن طريق قانونٍ واحد”.

وأضافت المنصة أنه يتعيّن على المحكمة أن تدرس “التقييد غير المألوف للتعبير عن الرأي بأقصى قدرٍ من العناية والتدقيق الصارم” وفق التعديل الأول للدستور.

من الجدير بالذكر أن التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة يحمي حقوق حرية التعبير والصحافة والتجمّع. وتستشهد تيك توك بهذا التعديل لتسليط الضوء على عدم قانونية أية إجراءاتٍ ترمي لحظرها في الولايات المتحدة، فيما يبدو أنه حجّةٌ وجيهةٌ ونقطة قوة لصالح تيك توك، وفق رأي الخبراء القانونيين.

وتحدّثت تيك توك في تقديمها أيضاً عن اتفاقيةٍ كانت تعمل عليها مع الحكومة الأمريكية، ويتم بموجبها تخزين بيانات مستخدمي تيك توك من المواطنين الأمريكيين بواسطة شركة أوراكل (Oracle) القائمة في الولايات المتحدة. كما سيتم الإشراف على البيانات من قبل كيانٍ جديد تحت اسم TikTok US Data Security، والذي سيشرف عليه مجلسٌ خاصٌّ يضم أعضاءَ مُعتمَدين من قبل الحكومة الأمريكية.

ووفقاً لتيك توك، لم يتم التوقيع على هذه الاتفاقية أبداً، و”توقفت الحكومة الأمريكية عن المشاركة الفعّالة حول ما يتعلق بتطوير هذه الاتفاقية في أيلول/سبتمبر من عام 2022″.

تيك توك تؤكد أنها لا تشكّل خطراً على الأمن القومي الأمريكي

أكدت تيك توك في ملفّها المقدّم للمحكمة أنها لا تمثّل مصدر خطرٍ على الأمن القومي للولايات المتحدة. وقالت إن تقرير الحكومة الأمريكية “لم يقدم أي دليلٍ على أن تيك توك تكشف عن بيانات المستخدمين للسلطات الصينية”، وأنه مجرد ادعاءٍ عام بأن الصين “يمكنها أن تطلب من الشركات تسليم بياناتها”.

ومن المؤكد أن هناك مخاوفَ حقيقية من أن تيك توك تمثّل تهديداً أمنياً، حيث إنه -وفقاً للقانون الصيني- يمكن إجبار شركة بايت دانس (ByteDance) على المساعدة في جهود الاستخبارات القوميّة الصينية، بما في ذلك على الأرجح إرسال بيانات المستخدمين الأمريكيين إلى الحكومة الصينية. وبينما تنفي بايت دانس فعل ذلك على الإطلاق، فقد فشلت تأكيداتها هذه في إقناع العديد من الحكومات عبر العالم.

وفي حال نجاح مشروع القانون بتجاوز الطعون القضائية لتيك توك، فلن تكون الولايات المتحدة أولَ دولةٍ تحظر التطبيق، فقد سبق أن حظرت الهند تطبيق تيك توك عام 2020 بعد نزاع حدوديّ مع الصين، ومنعت دولٌ أخرى مثل المملكة المتحدة وكندا وأستراليا الموظفين الحكوميين من استخدام هذا التطبيق.

وكانت المخاوف بشأن مشاركة تيك توك للبيانات مع حكومة الصين قد اكتسبت زخماً إضافياً بعد أن تقدّم العديدُ من موظفي تيك توك السابقين بمزاعمَ مفادُها أن عمليات منصة التواصل الاجتماعي كانت متشابكةً بشكلٍ وثيق مع الشركة الصينية الأم -بايت دانس- أثناء فترة عملهم، ما ألقى ظلالاً من الشك على تأكيدات المنصة على استقلاليتها.

مع ذلك، تزعم تيك توك أنها تتعرّض لمحاولاتٍ من أجل إخراجها من المشهد، وقالت: “تفتقر أيّ ادعاءاتٍ بالمساس بالأمن القومي للوجاهة القانونية، لأنه لا يمكنها تبرير استهداف القانون لمنصّة تيك توك بمفردها بشكلٍ منافٍ للدستور”.

بايت دانس ليست على استعداد للتخلي عن ملكيتها

فعلياً، يمكن لشركة بايت دانس بيع فرعها الأمريكي من منصة تيك توك لشركةٍ أمريكيةٍ بغرض وقف التهديد بالحظر. ومع ذلك، تقول الإحاطة -التي قدمتها تيك توك ومجموعةٌ من ثمانية مُنشِئين للمحكمة- إن هذا الإجراء غير ممكنٍ سواءً أكان من الناحية التقنية أو التجارية أو القانونية. وعلى وجه التحديد، قالت إنه غير ممكن خلال فترة الـ 270 يوماً التي يحدّدها القانون.

وأضافت الإحاطة: “لقد أوضح مقدمو الالتماسات مراراً وتكراراً سببَ عدم إمكانية تطبيق هذا النوع من التسويات، لكن يبدو أن الكونجرس لم يفكر حتى بإمكانية ذلك”.

جديرٌ بالذكر أن الصين عبّرت عن معارضتها البيعَ القسري لتيك توك. وتُقدَّر قيمة تيك توك بعشرات المليارات من الدولارات -على الأقل بفضل- قاعدة مستخدميها التي تضم أكثر من 170 مليون أمريكي. لكنَّ خوارزمية توصية المحتوى الخاصّة بمنصة تيك توك -والتي يُنسَبُ إليها الفضل إلى حدٍ بعيدٍ في نجاح المنصة- قد تكون على قدرٍ هائلٍ من الأهمية بحيث تفضّل بايت دانس -والحكومة الصينية، إذا تدخلت- حظرَ المنصة بدلاً من بيعها لمنافسين أمريكيين.

هل تحصل شركة ByteDance على إعفاء من المحكمة؟

في حين أننا لا نعرف حتى الآن إلى أي جانبٍ ستقف المحكمة، إلا أننا نتذكر أنه في عام 2020 منع القضاءُ الرئيسَ السابق دونالد ترامب من حظر تطبيق WeChat في الولايات المتحدة، وهو تطبيقٌ تعود ملكيته لشركة Tencent الصينية العملاقة.

من الجدير بالذكر أن ترامب أصدر أمراً تنفيذياً في آب/أغسطس 2020، أعطى منصة تيك توك 90 يوماً لبيع أصولها الأمريكية لشركةٍ مقرُّها الولايات المتحدة أو إغلاق عملياتها في البلاد. وللمفارقة، فقد انضمَّ ترامب منذ ذلك الحين إلى المنصة، حتى بعد إطلاقه منصة التواصل الاجتماعي الخاصّة به Truth Social، كما خفّف الرئيس السابق من حدّة خطابه ضد المنصة المملوكة لشركة ByteDance، إضافةً إلى أنه يَعتبِر منصاتٍ مثل فيسبوك -التي حظرته بعد أعمال الشغب في الكابيتول- لا تقلّ إشكاليةً عن تيك توك.

وهكذا، لم يعد الرئيس السابق يفضّل حظر TikTok، مشيراً إلى أنه لن يؤدي إلا إلى جعل فيسبوك أقوى. ومن المرجّح أن ترامب يحمل ضغينةً شخصيةً تجاه فيسبوك لدوره مع مسؤولين حكوميين في تقييد النقاش حول القصة الشهيرة الخاصة بالكمبيوتر المحمول لهانتر بايدن نجل الرئيس الحالي، والتي يزعم ترامب أنها ترقى إلى حالة تدخلٍ في الانتخابات.

وقال ستيفن ويبر (Steven Weber) -الأستاذ في جامعة كاليفورنيا، بيركلي- إن مخاوف التضليل والدعاية التي ذكرتها الحكومة الأمريكية هي “مشاكل تشمل كافة وسائل التواصل الاجتماعي، وليست مقتصرةً على تيك توك” وحسب.

ويرى ويبر أنه “لا يوجد مبررٌ واضحٌ للأمن القومي لتركيز القانون بشكلٍ خاص على تيك توك”، مضيفاً أنه: “من التعسّف اختيارُ مشاركٍ واحد في السوق [لمعاقبته] على مشكلةٍ تعاني منها صناعةٌ بأكملها”.

في الواقع، يعتقد العديد من منتقدي القانون الذي يحظر تيك توك أن الدافع الحقيقي له هو القضاء على التبادل الحرّ للمعلومات على تيك توك، لمنع الأميركيين من استقاء المعلومات من مصادرَ غير رسمية. وعلى سبيل المثال، بدا أن السيناتور ميت رومني يشير إلى أن الدعم الكاسح من جانب الكونجرس لمشروع القانون يعود إلى الرغبة في سحق المعارضة للتصرّفات الوحشية لإسرائيل في غزة.

الخبراء القانونيون يعتقدون أن حظر تيك توك ينتهك التعديل الأول من الدستور

إضافةً إلى كلّ ما سبق -ووفقاً لستة خبراء قانونيين استطلعت الإذاعة الوطنية العامة (NPR) آراءَهم – فإن حظر تيك توك بناءً على “مخاوف أمنٍ وطنيّ غير محددة” سيشكّل انتهاكاً للتعديل الدستوري الأول.

ووفقاً لتقرير NPR، “قال الخبراء القانونيون إنه بالإضافة إلى ضرورة إثبات أن تطبيق تيك توك يشكل خطراً أمنياً، سيتعيّن على المسؤولين الأمريكيين إقناعُ المحكمة أن حظره هو الطريقة الأقلّ خرقاً لحماية حريّة التعبير بغرض التعامل مع التهديد”.

وخلاصة القول، يبدو أن أمام حكومة الولايات المتحدة مهمّة إقناع القضاء بأن تيك توك يشكّل تهديداً فعلياً للأمن القومي، مع ضرورة دعم هذه الادعاءات بأدلةٍ دامغة. وفي غياب دليلٍ مقنعٍ على أن تيك توك يشكل تهديداً للأمن القومي، فقد يكون فرضُ الحظر أمراً عسيراً في ديمقراطيةٍ راسخةٍ كما هو الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية.